عونک اللهمَّ وتأییدک ، وإرشادک إیَانا وتسدیدک

     الحمد لله الذى خلق الإنسان فأحسن خلقه وسوَّاه ، وهداه لما فیه سعادته فى دنیاه وأخراه ، ویسَّر له سبل السلامة من الهلاک والعطب ، وفطره على محبة العافیة فهى غایة المراد ومنتهى الأرب ، وابتلاه بالأدواء والأوجاع لتکون تکفیراً لذنوبه وتطهیراً ، وحذره من اتلاف نفسِه وجسدِه تحذیراً کبیراً ، فقال سبحانه ومن أصدقُ من الله قیلاً ، (( إن السمع والبصر والفؤاد کل أولئک کان عنه مسئولاً )) .

وبعد ..

     فالحجامة من العلاجات الطبیة القدیمة لدى الکثیر من المجتمعات البشریة ، من مصر القدیمة غرباً ، إلى الصین شرقاً ، فقد عرفها وألفها الصینیون والبابلیون والفراعنة ، والهنود والعرب ، ولا یغیبن عنک أن الحجامة مع الإبر الصینیة من أهم رکائز طب الصین التقلیدى . وقد کان الحجامون القدماء یقطعون أطراف القرون المجوفة لبعض الحیوانات ، والفروع القویة لأشجار البامبو ، ویستعملونها کمحاجم ، یضعونها على مواضع الحجامة من أبدان المرضى . ومع مرور الزمن ، وتطور الألات ، استعملوا بدلاء من الکئوس الزجاجیة التى تفرغ من الهواء بحرق قطعة من القطن أو الورق داخلها .

     ولقد عرفها العرب قبل الإسلام ، ربما تأثراً بالمجتمعات المجاورة ، بل واستعملوا فى الحجامة طریقةً لعلهم لم یسبقوا إلیها ، کانت تعرف بـ (( حجامة دودة العلق Blood-Sucking Leech )) ، وهى دویدة حمراء تکون بالماء ، تعلَّق بالبدن لتمص الدم المحتقن فى أماکن الورم کالحلق ، فکانوا یجمعون ذلک الدود ، ویحبسونه یوما أو یومین بلا طعام ، ویستخرجون جمیع ما بأجسامها لتشتد وتجوع ، ثم یعلِّقونها على مواضع الورم ، لتمصه مصاً قویاً .

     ولما جاء الإسلام أقرَّ الحجامة ، بل وجعلها فرعاً من فروع الطب النبوى المتلقى بالوحى عن الله ، فقد احتجم رسول الله صلى الله علیه واله سلَّم وأعطى الحجام أجره ، وندب أمته إلى التداوى بالحجامة ، وقال (( خیر ما تداویتم به الحجامة )) ، وقال (( إن أمثل ما تداویتم الحجامة والقسط البحرى )) ، فى طائفةً من الأحادیث النبویة التى تناهز المائة ، کما سیأتى بیانه فى باب : الحجامة فى الطب النبوى .  


     وربما مثلت الحجامة الجزء الأکبر من الطرائق العلاجیة للعدید من بلدان العالم إلى وقت لیس بالبعید ، خاصةً فى البلاد الحارة ، والأمزجة الحارة ، التى دم أصحابها فى غایة النضج ، حیث تمیل الطبائع إلى تهیج الدم ومیله إلى ظاهر البدن ، لجذب الحرارة الخارجة له إلى سطح البدن ، واجتماعه فى نواحى الجلد . غیر أنه لما استشرى أمر الطب الغربى ، وصار مهیمنا على معظم الطرق العلاجیة ، وانتشرت شرکات الأدویة اللاهثة وراء المال کالغول الکاسر ، الذى یحطم کل ما یعترضه لتحقیق مآربه وغایاته ، وأیدته أنظمة لا دینیة شارکته فى الغایة والهدف ، تقلصت هاتیک الممارسات التقلیدیة وتولت إلى الظل ، اللهم إلا بقایا فى بعض البلاد العربیة ، کالسعودیة وسوریا ودول الخلیج العربى ، وبلاد الصین وبعض بلاد شرق أسیا ، وذلک کجزء من التراث الشعبى لهذه البلدان ، وخاصةً الصین ، فهى من أوثق الدول ارتباطاً بتراثها ومعارفها القدیمة .

     ظل الأمر کذلک ، حتى بدت فى أفق الغرب الأوروبى ، خاصةً ألمانیا وفرنسا ، مظاهر الاعتراض على التطبیقات الطبیة الحدیثة ، وتقلصت دائرة التقدیس والحفاوة بها ، سیما وقد أبدت عجزها عن علاج الکثیر من الأدواء المستحدثة ، مع تراکم الآثار الجانبیة والسلبیة للأدویة المرکبة ، فراحوا یبحثون عن النظم البدیلة والمکملة ، وعادت الممارسات التقلیدیة لتحتل جزءاً من تفکیرهم وتطبیقاتهم ، فدخلت الحجامة على استحیاءٍ تلک المجتمعات ، وتربعت على عرش التطبیقات والممارسات البدیلة والمکملة ، بفضل جهود العلماء والأطباء العرب الغیورین على تطبیقات الطب النبوى .

     فقد شاء اللطیف الخبیر أن یجدِّد للحجامة حیویتَها وشبابَها ، ویُجَلِّى للناس أثرَها فى علاج الکثیر من الأمراض الدمویة التى عجز الطب الحدیث عن علاجها ، ووقف حائراً بآلاته وتقنیاته المذهلة أمام غاراتها وضراوتها ، وخاصة السرطان والهیموفیلیا واللوکیمیا وغیرها من الأمراض الفتاکة القاتلة ، فقیَّض لها الشیخ الدمشقى محمد أمین شیخو ، والذى حمل على عاتقه مسئولیة البحث والتنقیب عن الأسس العلمیة التى تنبنى علیها ، فأدَّاه اجتهاده وبحثه الدوؤب إلى کشف النقاب عن الأصول العلمیة الدقیقة لتأثیر الحجامة على الدم والجهاز الدورى ، حیث تنقیه من الشوائب والأخلاط والنفایات ، وتخلصه من المواد الردیئة ، واللزوجة التى ربما أحدثت سدداً لمجراه ، وتستحثه على تجدید وتعویض کمیاته المستنزفة ، وما یترتب على ذلک من نشاط سائر أجهزة البدن ، والتى تعمل بتعاونٍ وانسجام مع الدم : کالکبد والطحال والکلى والعظام .

     ولقد سخر الله عزَّ وجلَّ لهذا الشیخ فریقاً من أکابر أطباء سوریا المتخصصین فى أدق فروع الطب الإنسانى ، والذین اقتنعوا بنظریته وتأصیلاته الدقیقة فى تطبیقات الحجامة بنوعیها : الوقائیة والعلاجیة ، فأثمر هذا التعاون الجاد نتائج باهرةً أدهشت عقول أکابر أطباء الدنیا المعاصرین ، وجعلت الدوائر الطبیة العالمیة تتجه بأنظارها إلى سوریا للإطلاع على نتائج هذه الجهود الفذة ، ونقلتها إلى بلادها وأوصت بتطبیقها فى مجالات الطب البدیل والتکمیلى .

     ولیس من العجیب الآن أن نسمع عن تدریس طرائق الحجامة فى الجامعات الأوروبیة والأمریکیة ، بل وتعطى فیها أعلى الدرجات العلمیة ، وأن یصیر مصطلح Cupping Therapy متداولا فى الأوساط الأکادیمیة والإکلینیکیة . ومن شهود العیان لهذا الواقع الذى یعد مفخرةً یعتز بها الممارسون للحجامة خاصةً ، ولتطبیقات الطب النبوى عامةً ، أساتذة العلاج الطبیعى فى هذه الجامعات .

    هذا ما أکده الدکتور أمیر محمد صالح ؛ الأستاذ الزائر فى جامعة شیکاغو ، والحاصل على البورد الأمریکى فى العلاج الطبیعى ، وعضو الجمعیة الأمریکیة للطب البدیل ، والذى یؤکد صراحةً أنه لم یکن یعرف شیئاً کثیراً عن الحجامة قبل سفره إلى أمریکا ، قال : (( من خلال رحلاتى العلمیة التى امتدت لعدة سنوات فى أمریکا وبعض الدول الأوروبیة ، وجدت أنهم یعرفون هذا النوع من العلاج کفرع مهم فى الجامعات ، ویسمى عندهم Cupping Therapy یعنى الشفط )) .

   ولقد تطورت طرائق الحجامة وأدواتها تطوراً مذهلاً ، وشارکت فى ذلک ألمانیا والصین ، وبادرت الشرکات المتخصصة فى صناعة الأجهزة التکنولوجیة بتحدیث آلات الحجامة ، بحیث صارت تلک الأجهزة تقوم بالشفط آلیاً بدلا من الطریقة التقلیدیة القدیمة ، والتى طالما أجهدت الحجَّام والمحجوم ، مع ما لها من آثار سلبیة فى تلویث الجروح ونقل العدوى ، کما أجریت الحجامات على مراکز خطوط الطاقة التى تعمل علیها الإبر الصینیة ، فکانت النتائج مذهلة للغایة ، حتى قال أحد خبراء العلاج الطبیعى الألمانى : (( کانت نتائج الحجامة عشرة أضعاف الإبر الصینیة )) . 

     وبعد .. فهل یمکن لبلادنا : دیار الإسلام وحماة ذماره ، وهى صاحبة هذا الطب الباهر الأثر ، أن تشهد عوداً حمیداً للحجامة ، فتمارس علناً بأیدى الأطباء المتخصصین ؟ ، وتنشئ لها عیادات متخصصة .

     یومئذٍ ونسأل الله أن یـکون قریباً ، نقول (( هذه بضاعتنا ردت إلینا )) ، فنحن أحق بها ، وأولى الناس بأن نجنى قطوفها .